ابن قيم الجوزية

536

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

فوا عجبا إذا اتسع بطلان المخالفين للنصوص لعذر من خالفها تقليدا ، أو تأويلا ، أو لغير ذلك . فكيف ضاق عن عذر من خالف أقوالهم ، وأقوال شيوخهم . لأجل موافقة النصوص ؟ وكيف نصبوا له الحبائل ، وبغوه الغوائل ، ورموه بالعظائم ، وجعلوه أسوأ حالا من أرباب الجرائم ؟ فرموه بدائهم وانسلوا منه لواذا ، وقذفوه بمصابهم ، وجعلوا تعظيم المتبوعين ملاذا لهم ومعاذا . واللّه أعلم . قال « ولا يصح ذلك إلا بأن يعلم : أن النجاة في البصيرة ، والاستقامة بعد الثقة . وأن البينة وراء الحجة » . يقول : إن ما ذكرناه من التواضع للدين بهذه الأمور الثلاثة : الأولى : علمه أن النجاة من الشقاء والضلال : إنما هي في البصيرة ، فمن لا بصيرة له : فهو من أهل الضلال في الدنيا . والشقاء في الآخرة . والبصيرة نور يجعله اللّه في عين القلب ، يفرق به العبد بين الحق والباطل ، ونسبته إلى القلب كنسبة ضوء العين إلى العين . وهذه « البصيرة » وهبية وكسبية ، فمن أدار النظر في أعلام الحق وأدلته ، وتجرد للّه من هواه : استنارت بصيرته . ورزق فرقانا يفرق به بين الحق والباطل . الثاني : أن يعلم أن الاستقامة إنما تكون بعد الثقة ، أي لا يتصور حصول الاستقامة في القول والعمل والحال ، إلا بعد الثقة بصحة ما معه من العلم ، وأنه مقتبس من مشكاة النبوة ، ومن لم يكن كذلك فلا ثقة له ولا استقامة . الثالث : أن يعلم أن البينة وراء الحجة . و « البينة » مراده بها : استبانة الحق وظهوره . وهذا إنما يكون بعد الحجة إذا قامت استبانة الحق وظهر واتضح . وفيه معنى آخر : وهو أن العبد إذا قبل حجة اللّه بمحض الإيمان والتسليم والانقياد ، كان هذا القبول هو سبب تبينها وظهورها ، وانكشافها لقلبه ، فلا يصبر على بينة ربه إلا بعد قبول حجته . وفيه معنى آخر أيضا : أنه لا يتبين له عيب عمله من صحته إلا بعد العلم الذي هو حجة اللّه على العبد . فإذا عرف الحجة اتضح له بها ما كان مشكلا عليه من علومه ، وما كان معيبا من أعماله . وفيه معنى آخر أيضا : وهو أن يكون « وراء » بمعنى أمام ، والمعنى : أن الحجة إنما تحصل للعبد بعد تبينها . فإذا لم تتبين له لم تكن له حجة . يعني فلا يقنع من الحجة بمجرد حصولها بلا تبين . فإن التبين أمام الحجة . واللّه أعلم . قال : « الدرجة الثانية : أن ترضى بما رضي الحق به لنفسه عبدا من المسلمين أخا . وأن لا ترد على عدوك حقا . وأن تقبل من المعتذر معاذيره » . يقول : إذا كان اللّه قد رضي أخاك المسلم لنفسه عبدا ، أفلا ترضى أنت به أخا ؟ فعدم رضاك به أخا - وقد رضيه سيدك الذي أنت عبده عبدا لنفسه - عين الكبر . وأي قبيح أقبح من تكبر العبد على عبد مثله ، لا يرضى بأخوته . وسيده راض بعبوديته ؟